محمد حسين هيكل
138
حياة محمد ( ص )
قبلته . فلما طلب محمد إلى مسلمي يثرب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم ، مد البراء يده على ذلك وقال : - بايعنا يا رسول اللّه ! فنحن واللّه أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر . وقبل أن يتم البراء كلامه اعترض أبو الهيثم بن التّيّهان قائلا : - يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال - أي اليهود - حبالا « 1 » ، نحن قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا دلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ ! فتبسم وقال : - بل الدم الدم والهدم الهدم « 2 » أنتم مني وأنا منكم ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم . وهمّ القوم بالبيعة ، فاعترضهم العباس بن عبادة قائلا : - يا معشر الخزرج ! أتعلمون علام تبايعون هذا الرجل ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس . فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فدعوه ؛ فهو واللّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة . وإن كنتم ترون أنكم وافون له عادعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه ؛ فهو واللّه خير الدنيا والآخرة . فأجاب القوم : إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف . فما لنا يا رسول اللّه إن نحن وفينا بذلك ؟ ورد عليهم محمد مطمئن النفس قائلا : الجنة . مدّوا إليه أيديهم ، فبسط يده فبايعوه فلمّا فرغوا من البيعة قال لهم النبي أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء . فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس . فقال النبي لهؤلاء النقباء : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي . وكانت بيعتهم الثانية هذه أن قالوا : بايعنا على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا ، وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في اللّه لومة لائم » . تم ذلك كله جوف الليل في شعب العقبة في عزلة من الناس والقوم على ثقة من أنه لا يطّلع عليهم إلا اللّه - لكنهم ما كادوا يتمونه حتى سمعوا صوتا يصيح بقريش : إن محمدا والصّباء « 3 » معه قد اجتمعوا على حربكم . ذلك رجل خرج لبعض شأنه ، فعرف من أمر القوم قليلا اتصل بسمعه ، فأراد أن يفسد عليهم تدبيرهم ، وأن يدخل في روعهم أن ما بيّتوا بليل افتضح ، لكن الخزرج والأوس كانوا عند عهدهم ، حتى لقد قال العباس بن عبّادة لمحمد بعد أن سمع هذا المتجسّس : « واللّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ! » فكان جواب محمد أن قال : « لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . فرجعوا إلى مضاجعهم وناموا حتى أيقظهم الصبح . قريش وبيعة العقبة على أن الصبح ما كاد يتنفس حتى علمت قريش بنبأ هذه البيعة فانزعجت . وغدت جلتها على الخزرج في منازلهم يعاتبونهم ويقولون لهم : إنهم لا يريدون حربهم ، فما بالهم يحالفون محمدا على قتالهم ! وانبعث
--> ( 1 ) الحبال : العهود . ( 2 ) الهدم ( بالسكون وبالتحريك ) : إهدار دم القتيل . يريد إن طلب دمكم فقد طلب دمي وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمي ، لاستحكام الألفة بيننا . وهو قول معروف للعرب يقولون : دمي دمك وهدمي هدمك ؛ وذلك عند المعاهدة والنصرة . ( 3 ) جمع صابئ وهو الخارج على دين قومه وجماعته .